١ :: الرواية الاولى :: قَالَ : كُنَّا مَعَ الرَّضَا خليفة الله الإمَام علي بن موسى الرضا عليه السلام الوصي الثامن من أوصياء رسول الله محمد إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم بمَروَ ، فَجْتَمَعنَا فِي الجَامِع يَوْمَ الجُمعَةِ فِي بَدْءِ مَقْدَمِنَا فَأَدَارُوا أَمْرَ الإِمَامَةِ وذَكَرُوا كَثْرَةَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا ، فَدَخَلتُ عَلَى سَيَدِي عليه السلام فَأَعْلَمْتُهُ خَوْضَ النَّاسِ فِيهِ فَتَبَسَّمَ عليه السلام ثُمَّ قَالَ : يَا عَبْدَ العَزِيزِ : جَهِلَ القَوْمُ وخُدِعُوا عَن آرَائهِمْ ، إِنَّ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله حَتى أَكملَ لَهُ الدِّينَ ، وأَنْزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ فِيهِ تِبْيَانُ كُلَ شَيْءٍ ، بَيَّنَ فِيهِ الحَلَالَ والحَرَامَ ، والحُدُودَ والآحْكَامَ ، وجَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ كَمَلًا ، فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ : { مَّا فَرَّطنَا فيِ الكِتَبِ مِن شَىءٍ } الأنعام ٣٨ : وأَنْزَلَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وهِيَ آخِرُ عُمُرِهِ صلى الله عليه وآله : { اُليَومَ اَكمَلتُ لِكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلإِسلَمَ } المائدة ٣ : وأَمرُ الإِمَامَةِ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ ، ولَمْ يَمْضِ صلى الله وآله حتَّى بَيَّنَ لأُِمَّتِهِ مِعَالِمَ دِينِهِمْ ، وأَوْضَحَ لَهُمْ سَبِيلَهُمْ ، وتَرَكَهُمْ عَلَى قَصدِ سَبِيلِ الحَقِّ ، وأَقَامَ لَهُمْ عَلِيّاٌ عليه السلام عَلَماٌ وإِمَاماٌ ، ومَا تَرَكَ لَهُمْ شَيْئاً يَحتَاجُ إِليْهِ الأُمَّةُ إِلَّا بَيَّنَهُ ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ َعَزَّ وجَلَّ لَمْ يُكمِل دِينَهُ فَقَد رَدَّ كِتَابَ الله ِ، ومَنْ رَدَّ كِتَابَ الله ِفَهُوَ كَافِرٌ بِهِ . هَل يَعرِفُونَ قَدرَ الإِمَامَةَ ومَحَلَّهَا مِنَ الأُمَّةِ فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ ، إِنَّ الإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدراٌ وأَعظَمُ شأْناً وأَعلَى مَكَاناً وأَمْنَعُ جَانِباً وأَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ ، أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ ، أَوْ يُقِيمُوا إِمَاماً بِاخْتِيَارِهِمْ ، إِنَّ الإِمَامَةَ خَصَّ الله ُعَزَّ وجَلَّ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلَ عليه السلام بَعدَ النُّبُوَّةِ والخُلَّةِ مَرتَبَةً ثَالِثَةً ، وفَضِيلَةً شَرَّفَهُ بِها وأَشَادَ بِهَا ذِكْرَهُ ، فَقَالَ : { إِ نّىِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } البقرة ١٢٤ : فَقَالَ الخَلِيلُ عليه السلام سُرُوراً بِهَا : {ومِنْ ذرِّيَّتِي } ، قَالَ الله ُتَبَارَكَ وتَعَالَى : { لاَ يَنَالُ عَهُدِى الظَّلِمِينَ } . فَأَبْطَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إِمَامَةَ كُلِّ ظَالِمٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وصَارَتْ فِي الصَّفْوَةِ ، ثُمَّ أَكْرَمَهُ الله ُتَعَالَى بِأَنْ جَعَلَهَا فِي ذُريَّتِهِ أَهْلِ الصَّفْوَةِ والطَّهَارَةِ فَقَالَ : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسحَقَ وَيَعقًوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلنَا صَلِحِيِنَ ( ٧٢ ) وَجَعَلنَهُم أَئِمةً يَهدُونَ بِأَمرِناَ وَأَوحَينَآ إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وإِيتَآءَ الزَّكَوةِ وَكَانُوا لَنَا عَبدينَ ( ٧٣ ) الأنبياء ٧٢ - ٧٣ . فَلَمْ تَزَل فِي ذُريَّتِهِ يَرِثُهَا بَعضٌ عَنْ بَعضٍ قَرناً فَقَرناً حَتَّى وَرَّثَهَا الله ُتَعَالَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله ، فَقَالَ جَلَّ وتَعَالَى : { إِنَّ أَولَى النَّاسِ بِإِبَرهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِِىُّ وَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلىَُ الْمُؤمِنِينَ } آل عمران ٦٨ : فَكَانَتْ لَهُ خَاصَّةً فَقَلَّدَهَا صلى الله عليه وآله وسلم عَلِيّاً عليه السلام بِأَمرِ الله ِتَعَالَى عَلَى رَسْمِ مَا فَرَضَ الله ُ، فَصَرَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِ الأَصفِيَاءِ الَّذِينَ آتاهُمُ الله ُالعِلمَ والإِيمَانَ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ العِلمَ وَالإِيمَنَ لَقَد لَبِثتُم فىِ كِتَبِ الله َإِلَى يَومٍ البَعثِ } الروم ٥٦ : فَهِيَ فِي وُلدِ عَلِيٍّ عليه السلام خَاصَّةً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ؛ إذْ لَا نَبِيَّ بَعدَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَمِنْ أَيْنَ تَخْتَارُ هَؤُلَاءِ الجُهَّالُ . إنَّ الإمَامَةَ هِيَ مَنْزِلَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وإِرْثُ الأوْصِيَاءِ ، إِنَّ الإمَامَةَ خِلَافَةُ الله ِوخِلَافَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله ومَقَامُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ومِيرَاثُ الحَسَنِ والحُسَيْنِ عليهم السلام . إِنَّ الإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ ، ونِظَامُ المُسْلِمِينَ ، وصَلَاحُ الدُّنْيَا وعِزُّ المُؤْمِنِينَ ، إِنَّ الإِمَامَةَ أُسُّ الإِسْلَامِ النَّامِي ، وفَرعُهُ السَّامِي ، بِالإِمَامِ تَمَامُ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ والصِّيَامِ والحَجِّ والجِهَادِ ، وتَوْفِيرُ الفَيْءِ الصَّدَقَاتِ ، وإِمْضَاءُ الحُدُودِ والأَحكَامِ ، ومَنْعُ الثُّغٌورِ والأَطرَافِ . الإمَامُ يُحِلُّ حَلَالَ الله ِ، ويُحَرِّمُ حَرَامَ الله ِ، ويُقِيمُ حُدُودَ الله ِ، ويَذُبُّ عَنْ دِينِ الله ِ، ويَدعُو إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالحِكْمَةِ، والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ، والحُجَّةِ البَالِغَةِ، الإِمَامُ كَالشَّمْسِ الطَّالِعَةِ المُجَلِّلَةِ بِنُورِهَا لِلعَالَم ، وهِيَ فِي الأُفُقِ بِحَيْثُ لَا تَنَالُهَا الأَيْدِي والأَبْصَارُ . الإِمَامُ البَدْرُ المُنِيرُ ، والسِّرَاجُ الزَّاهِرُ ، والنُّورُ السَّاطِعُ ، والنَّجْمُ الهَادِي فِي غَيَاهِبِ الدُّجَى وأَجْوَازِ البُلدَانِ والقِفَار ، ولُجَجِ البِحَارِ ، الإِمَامُ المَاءُ العَذْبُ عَلَى الظَّمَإ ، والدَّالُّ عَلَى الهُدَى ، والمُنْجِي مِنَ الرَّدَى الإِمَامُ النَّارُ عَلَى اليَفَاعِ ، الحَارُّ لِمَنِ اصطَلَى بِهِ ، والدَّلِيلُ فِي المَهَالِكِ ، مَنْ فَارَقَهُ فَهَالِكٌ ، الإِمَامُ السّحَابُ المَاطِرُ ، والغَيْثُ الهَاطِلُ والشَّمْسُ المُضِيئَةُ ، والسَّمَاءُ الظَّلِيلَةُ ، والأَرضُ البَسِيطَةُ ، والعَيْنُ الغَزِيرَةُ ، والغَدِيرُ والرَّوْضَةُ . الإِمَامُ الأَنِيسُ الرَّفِيقُ، والوَالِدُ الشَّفِيقُ ، والأَخُ الشَّقِيقُ ، والأُمُّ البَرَّةُ بِالوَلَدِ الصَّغِيرِ ، ومَفْزَعُ العِبَادِ فِي الدَّاهِيَةِ النَّآدِ ، الإِمَامُ أَمِينُ الله ِفِي خَلقِهِ ، وحُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ وخَلِيفَتُهُ فِي بِلَادِهِ ، والدَّاعِي إِلَى الله ِ، والذَّابُّ عَنْ حُرَمِ الله ِ. الإمَامُ المُطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ والمُبَرَّأُ عَنِ العُيُوبِ ، المَخْصُوصُ بِالعِلمِ ، المَوْسُومُ بِالحِلمِ ، نِظَامُ الدِّينِ ، وعِزُّ المُسْلِمِينَ وغَيْظُ المُنَافِقِينَ ، وبَوَارُ الكَافِرِينَ . الإِمَامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ ، لَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ ، ولَا يُعَادِلُهُ عَالِمٌ ، ولَا يُوجَدُ مِنْهُ بَدَلٌ ولَا لَهُ مِثْلٌ ولَا نَظِيرٌ ، مَخْصُوصُ بِالفَضْلِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ لَهُ ولَا اكْتِسَابٍ ، بَلِ اخْتِصَاصٌ مِنَ المُفْضِلِ الوَهَّابِ . فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْلُغُ مَعرِفَةَ الإِمَام ، أَوْ يُمْكِنُهُ اخْتِيَارُهُ ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ، ضَلَّتِ العُقُولُ ، وتَاهَتِ الحُلُومُ ، وحَارَتِ الأَلبَابُ ، وخَسَأَتِ العُيُونُ وتَصَاغَرَتِ العُظَمَاءُ ، وتَحَيَّرَتِ الحُكَمَاءُ ، وتَقَاصَرَتِ الحُلَمَاءُ ، وحَصِرَتِ الخُطَبَاءُ ، وجَهِلَتِ الأَلِبَّاءُ ، وكَلَّتِ الشُّعَرَاءُ ، وعَجَزَتِ الأُدَبَاءُ ، وعَيِيَتِ البُلَغَاءُ ، عَنْ وَصفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ ، أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ ، وأَقَرَّت بِالعَجْزِ والتَّقْصِيرِ ، وكَيْفَ يُوصَفُ بِكُلِّهِ ، أوْ يُنْعَتُ بِكُنْهِهِ ، أَوْ يُفْهَمُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ ، أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ويُغْنِي غِنَاهُ لَا كَيْفَ وأنَّى ؟ وهُوَ بِحَيْثُ النَّجْمِ مِنْ يَدِ المُتَنَاوِلِينَ ، ووَصفِ الوَاصِفِينَ ، فَأَيْنَ الاِ خْتِيَارُ مِنْ هَذَا ؟ وأَيْنَ العُقُولُ عَنْ هَذَا ؟ وأَيْنَ يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا ؟ ! . أَتَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ فِي غَيْرِ آلِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ، كَذَبَتهُمْ والله ِأَنْفُسُهُمْ ، ومَنَّتْهُمُ الأَبَاطِيلَ فَارتَقَوْا مُرتَقاً صَعباً دَحضاً ، تَزِلُّ عَنْهُ إِلَى الحَضِيضِ أَقْدَامُهُمْ ، رَامُوا إِقَامَةً الإِمَامِ بِعُقُولِ حَائِرَةٍ بَائِرَةٍ نَاقِصَةٍ ، وآرَاءٍ مُضِلَّةٍ ، فَلَمْ يَزْدَادُوا مِنهُ إِلَّا بُعداً ، { قَتَلَهُمُ الله ُأَنَّى يُؤفَكُونَ } التوبة ٣٠ ، ولَقَد رَامُوا صَعباً ، وقَالُوا إِفْكاً ، وضَلُّوا ضَلَا لَا بَعِيداً ، ووَقَعُوا فِي الحَيْرَةِ ، إِذْ تَرَكُوا الإمَامَ عَنْ بَصِيرَةٍ ، وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ . رَغِبُوا عَنِ اخْتِيَارِ الله ِواخْتِيَارِ رَسُولِ الله ِوأَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ والقُرآنُ يُنَادِيهِمْ : { وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَختَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبحَانَ الله ِوَتَعَلَى عَمَّا يُشرِكُونً } القصص ٦٨ . وقَالَ عَزَّ وجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللهُ وَرَسُولُهُ أَمرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم } الأحزاب ٣٦ الآيَةَ . وقَالَ : { مَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ ( ٣٦ ) أَم لَكُم كِتَابٌ فِيهِ تَدرُسُونَ ( ٣٧ ) إِنَّ لَكُم فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ( ٣٨ ) أَم لَكُم أَيمَانٌ عَلَينَا بَلِغَةٌ إلَى يَومِ القِيَامَةِ إِنَّ لَكُم لَمَا تَحكُمُونَ ( ٣٩ ) سَلهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ( ٤٠ ) أَم لَهُم شُرَكَآءُ فَليَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِم إِن كَانُواْ صَادِقِيِنَ ( ٤١ ) } القلم ٣٦ - ٤١ ، وقَالَ عَزَّ وجَلَّ : { أَفَلَاَ يَتَدَبَّرُونَ اُلقُرءَانَ أم عَلَى قُلُوبٍ أَقفًالُهَآ ( ٢٤ ) } محمد ٢٤ ، أَمْ { وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِم فَهُم لَا يَفقَهُونَ } التوبة ٨٧ ، أَمْ { قَالُواْ سَمِعنَا وَهُم لَا يَسمَعُونَ ( ٢١ ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ اُلبُكمُ الَّذِينَ لَا يَعقِلُونَ ( ٢٢ ) وَلَو عَلِمَ اللَّهُ فِيهِم خَيرًا لَّأَسمَعَهُم وَلَو أَسمَعَهُم لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعرِضُونَ ( ٢٣ ) } الأنفال ٢١ - ٢٣ ، أَمْ { قَالُواْ سَمِعنَا وَعَصَينَا } البقرة ٩٣ ، بَل هُوَ { فَضلُ اللَّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ } الحديد ٢١ ، فَكَيْفَ لَهُمْ بِاخْتِيَارِ الإِمَامِ ؟ ! والإِمَامُ عَالِمٌ لَا يَجْهَلُ ، ورَاعٍ لَا يَنْكُلُ ، مَعدِنُ القُدسِ والطَّهَارَةِ ، والنُّسُكِ والزَّهَادَةِ ، والعِلمِ والعِبَادَةِ ، مَخْصُوصٌ بِدَعوَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله ونَسْلِ المُطَهَّرَةِ البَتُولِ ، لَا مَغْمَزَ فِيهِ فِي نَسبِ ، ولَا يُدَانِيهِ ذُو حَسَبٍ ، فِي البَيْتِ مِنْ قُرَيْشِ والذِّروَةِ مِنْ هَاشِمٍ ، والعِترَةِ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله والرِّضَا مِنَ الله عَزَّ وجَلَّ ، شَرَفُ الأَشْرافِ ، والفَرعُ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ ، نَامِي الِعلمِ ، كَامِلُ الحِلم ، مُضطَلِعٌ بِالإِمَامَةِ ، عَالِمٌ بالسِّيَاسَةِ ، مَفْرُوضُ الطَّاعَةِ ، قَائِمٌ بِأَمْرِ الله عَزَّ وجَلَّ ، نَاصِحٌ لِعِبَادِ الله ، حَافِظٌ لِدِينِ الله . إِنَّ الأَنْبِيَاءَ والأَئِمَّةَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِم يُوَفَّقُهُمُ الله ُويُؤْتِيهِمْ مِنْ مَخْزُونِ عِلمِهِ وحِكَمِهِ مَا لَا يُؤْتِيهِ غَيْرَهُمْ ، فَيَكُونُ عِلمُهُمْ فَوْقَ عِلمِ أَهْلِ الزَّمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { أَفَمَن يَهدِى إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِى إِلَّا أَن يُهدَى فَمَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ } يونس ٣٥ ، وقَوْلِهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى : { وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِىَ خَيرًا كَثِيرًا } البقرة ٢٦٩ ، وقَوْلِهِ فِي طَالُوتَ : { إِنَّ اللَّهَ اصطَفَهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فيِ العِلمِ وَالجِسمِ وَاللَّهُ يُؤتيِ مُلكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } البقرة ٢٤٧ ، وقَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله : { وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيكَ الكِتابَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَم تَكُن تَعلَمُ وَكَانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظِيمًا } النساء ١١٣ ، وقَالَ فِي الأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ وعِترَتِهِ وذُرِّيَّتِهِ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِم : { أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضّلِهِ فَقَد ءَاتَينَآ ءَالَ إِبرَاهِيَم الكِتاَبَ وَالحِكمَةَ وَءَاتَينَاهُم مُّلكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنهُم مَّن ءَامَنَ بِهِ وَمِنهُم مَّن صَدَّ عَنهُ وَكَفَى بجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) النساء ٥٤ - ٥٥ } . وإِنَّ العَبْدَ إذَا اخْتَارَهُ الله عَزَّ وجَلَّ لِأمورِ عِبَادِه ، شَرَح صَدرَهُ لِذَلِكَ ، وأَوْدَعَ قَلبَهُ يَنَابِيعَ الحِكْمَةِ ، وأَلهَمَهُ العِلمَ إِلهَاماَ ، فَلَمْ يَعيَ بَعدَهُ بِجَوَابٍ ، ولَا يُحَيَّرُ فِيهِ عَنِ الصَّوَابِ ، فَهُوَ مَعصُومٌ مُؤَيَّدٌ ، مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ ، قَد أَمِنَ مِنَ الخَطَايَا والزَّلَل والعِثَارِ ، يَخُصُّهُ الله بِذَلِكَ لِيَكُونَ حُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ ، وشَاهِدَهُ عَلَى خَلقِهِ ، { ذَلِكَ فَضلُ اللَّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ } الحديد ٢١ . فَهَل يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَيَخْتَارُونَهُ أَوْ يَكُونُ مُخْتَارُهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيُقَدِّمُونَهُ ، تَعَدَّوْا - وبَيْتِ الله - الحَقَّ ونَبَذُوا كِتَابَ الله وَرَادَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعلَمُونَ ، وفِي كِتَابِ الله الهُدَى والشِّفَاءُ ، فَنَبَذُوهُ واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم ، فَذَمَّهُمُ الله ومَقَّتَهُمْ وأَتعَسَهُمْ فَقَالَ جَلَّ وتَعَالَى : { وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَىهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهدِى القَومَ الظَّالِمِينَ } القصص ٥٠ ، وقَالَ : { فَتَعسًا لَّهُم وَأَضَلَّ أَعمَالَهُم } محمد ٨ ، وقَالَ : { كَبُرَ مَقتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُوا كَذَلِكَ يَطبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِ قَلبِ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ } غافر ٣٥ ، وصَلَّى الله عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً . ( اصول الكافي ـ كتاب الحُجة ـ باب ٧٢ ـ صفحة ١١٤ )

٢ :: الرواية الثانية :: عَنْ أَبِي عَبْدِالله خليفة الله الإمَام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام الوصي السادس من أوصياء رسول الله محمد إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم فِي خُطبَةٍ لَهُ يَذْكُرُ فِيهَا حَالَ الأَئِمَّةِ عليهم السلام وصِفَاتِهِمْ : إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أَوْضَحَ بِأَئِمَّةِ الهُدَى مِن أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا عَنْ دِينِهِ ، وأَبْلَجَ بِهِمْ عَنْ سَبِيلِ مِنْهَاجِهِ ، وفَتَحَ بِهِمْ عَنْ بَاطِنِ يَنَابِيعِ عِلمِهِ ، فَمَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وَاجِبَ حَقِّ إِمَامِهِ ، وَجَدَ طَعمَ حَلاَوةِ إِيمَانِهِ ، وعَلِمَ فَضْلَ طُلَاوَةِ إِسْلَامِهِ ، لِأَن الله تَبَارَكَ وتَعَالَى نَصَبَ الإِمَامَ عَلَماً لِخَلقِهِ ، وجَعَلَهُ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ مَوَادِّه وعَالَمِهِ ، وأَلبَسَهُ الله تَاجَ الوَقَارِ ، وغَشَّاهُ مِنْ نُورِ الجَبَّارِ ، يَمُدُّ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ، لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ مَوَادُّهُ ، ولاَ يُنَالُ مَا عِندَ الله إِلَّا بِجِهَةِ أَسْبَابِهِ ، ولاَ يَقْبَلُ الله أَعمَالَ العِبَادِ إِلاَّ بمَعرِفَتِهِ ، فَهُوَ عَالِمٌ بِما يَردُ عَلَيْهِ مِنْ مُلتَبِسَاتِ الدُّجى ، ومُعَمِّيَاتِ السُّنَنِ ، ومُشَبِّهَاتِ الفِتَنِ ، فَلَمْ يَزَلِ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى يَخْتَارُهُمْ ، لِخَلقِهِ مِنْ وُلدِ الحُسَيْنِ عليه السلام مِنْ عَقِبِهِ إِمَامٍ ، يَصطَفِيهِمْ لِذَلِكَ ويَجتَبِيهِمْ ، ويَرضَى بِهِمْ لِخَلقِهِ ويَرتَضِيهِمْ ، كُلَّ مَا مَضَى مِنْهُمْ إِمَامٌ نَصَبَ لِخَلقِهِ مِنْ عَقِبِهِ إِمَاماً ، عَلَماً بَيِّناً ، وهَادِياً نَيِّراً ، وإِمَاماً قَيِّماً ، وحُجَّةً عَالِماً ، أَئِمَّةً مِنَ الله ، يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعدِلُونَ ، حُجَجُ الله ودُعَاتُهُ ورُعَاتُهُ عَلَى خَلقِهِ ، يَدِينُ بِهَديِهِمُ العِبَادُ وتَسْتَهِلُّ بِنُورِهِمُ البِلاَدُ ، ويَنْمُو بِبَرَكَتِهِمُ التِّلاَدُ ، جَعَلَهُمُ الله حَيَاةًَ لِلَأنَامِ ، ومَصَابِيحَ لِلظَّلاَمِ ، ومَفَاتِيحَ لِلكَلاَمِ ، ودَعَائَِم لِلإِسْلاَمِ، جَرَت بِذَلِكَ فِيهِمْ مَقَادِيرُ الله عَلَى مَحتُومِهَا . فَالإِمَامُ هُوَ المُنتَجَبُ المُرتَضَى ، والهَادِي المُنتَجَى ، والقائِمُ المُرتَجَى ، اصطَفَاهُ الله بِذَلِكَ واصطَنَعَهُ عَلَى عَينِهِ فِي الذَّرِّ حِينَ ذَرَأَهُ ، وفِي البَرِيَّةِ حِينَ بَرَأَهُ ، ضِلاَّ قَبْلَ خَلقِ نَسَمَةٍ عَنْ يَمِينِ عَرشِهِ ، مَحبُوّاً بِالحِكْمَةِ فِي عِلمِ الغَيْبِ عِنْدَهُ ، اخْتَارَهَُ بِعِلمِهِ ، وانْتَجَبَهُ لِطُهْرِهِ ، بَقِيَّةً مِنْ آدَمَ عليه السلام وخِيَرَةً مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ومُصطَفًى مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وسُلاَلَةً مِنْ إِسمَاعِيلَ ، وصَفْوَةً مِنْ عِترَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله لَمْ يَزَل مَرعِيّاً بِعَيْنِ الله ، يَحفَظُهُ ويَكْلَؤُهُ بِسِتْرِهِ ، مَطرُوداً عَنْهُ حَبَائِلُ إِبْلِيسَ وجُنُودِهِ ، مَدفُوعاً عَنْهُ وُقُوبُ الغَوَاسِقِ ونُفُوثُ كُلِّ فَاسِقٍ ، مَصرُوفاً عَنهُ قَوَارِفُ السُّوءِ ، مُبْرَأَ مِنَ العَاهَاتِ ، مَحجُوباً عَنِ الآفَاتِ ، مَعصُوماً مِنَ الزَّلاَّتِ ، مَصُوناً عَنِ الفَوَاحِشِ كُلِّهَا ، مَعرُوفاً بِالحِلمِ والبِرِّ فِي يَفَاعِهِ ، مَنْسُوباً إِلَى العَفَافِ والعِلمِ والفَضْلِ عِنْدَ انْتِهَائِهِ ، مُسْنَداً إِلَيْهِ أَمرُ وَالِدِهِ ، صَامِتاً عَنِ المَنْطِقِ فِي حَيَاتِهِ . فَإذَا انْقَضَت مُدَّةُ وَالِدِهِ ، إِلَى أَنِ انْتَهَت بِهِ مَقَادِيرُ الله إِلَى مَشِيئَتِهِ ، وجَاءَتِ الإِرَادَةُ مِنَ الله فِيهِ إِلَى مَحَبَّبتِهِ ، وبَلَغَ مُنْتَهَى مُدَّةِ وَالِدِهِ عليه السلام فَمَضى وصَارَ أَمرُ الله إِلَيْهِ مِنْ بَعدِهِ وقَلَّدَهُ دِينَهُ ، وَجَعَلَهُ الحُجَّةَ عَلَى عِبَادِهِ ، وقَيِّمَهُ فِي بِلاَدِهِ ، وأَيَّدَهُ بِرُوحِهِ ، وآتاهُ عِلمَهُ ، وأَنْبَأَهُ فَصلَ بَيَانِهِ ، واستَوْدَعَهُ سِرَّهُ ، وانتَدَبهُ لِعَظِيمِ أَمرِهِ ، وأَنبَأَهُ فَضْلَ بَيَانِ عِلمِهِ ، ونَصَبهُ عَلَماً لِخَلَقِهِ ، وجَعَلَهُ حُجَّةً عَلَى أَهلِ عَالَمِهِ ، وضِيَاءً لأِهلِ دِينِهِ ، والقَيِّمَ عَلَى عِبَادِهِ ، رَضِيَ الله بِهِ إمَاماً لَهُمُ ، استَوْدَعَهُ سِرَّهُ ، واستَحفَظهُ عِلمَهُ ، واستَخبَأهُ حِكْمَتَهُ واستَرعَاهُ لِدِينِهِ وانتَدَبَهُ لِعَظِيمِ أمرِهِ وأحيَا بِهِ مَنَاهِجَ سَبِيلِهِ ، وفَرَائِضهُ وحُدُودَهُ ، فَقَامَ بِالعَدلِ عِنْدَ تَحَيُّرِ أَهْلِ الجَهْلِ ، وتَحيِيرِ أَهْلِ الجَدَلِ ، بِالنُّور السَّاطِعِ ، والشفِّاءِ النَّافِعِ ، بِالحَقِّ الَأبلَجِ ، والبَيَانِ اللاَّئِحِ مِنْ كُلِّ مَخْرَجٍ ، عَلَى طَرِيقِ اَلمَنْهَجِ ، الَّذِي مَضَى عَلَيهِ الصَّادِقُونَ مِنْ آبَائِهِ عليه السلام فَلَيْسَ يَجْهَلُ حَقَّ هَذَا العَالِم إِلاَّ شَقِيٌّ ، ولاَ يَجْحَدُهُ إِ لاَّ غَوِيٌّ ، ولاَ يَصُدُّ عَنْهُ إِلاَّ جَرِيٌّ عَلَى الله جَلَّ وعَلاَ . ( اصول الكافي - كتاب الحجة )